الفصل 1
الفصل الأول: تقمّصتُ في جسد فتاة؟
«آخ…»
شعرت باي يو بأنّ رأسها يطنّ كأنّه على وشك الانفجار.
فتحت عينيها بذهول، فاستقبلها سقف أبيض ناصع لا تشوبه شائبة.
«فسّس… متى غفوت أصلاً؟»
استدارت باي يو قليلاً، لكنها تجمّدت في مكانها لحظة رأت البيئة المحيطة بها.
اجتاحتها موجة من الغرابة؛ كانت الآن في غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها خمسين متراً مربعاً. في الغرفة طاولة وكرسي وحاسوب محمول ومكيّف وحمّام وكل تلك الأشياء.
بل كان على الطاولة عدة علب طعام جاهز وأكياس نودلز سريعة التحضير فارغة. بدت الغرفة شبيهةً جداً بالمسكن الجامعي الذي عاشت فيه في حياتها السابقة.
هذا ليس بيتها، فأين هي إذن؟
فركت باي يو رأسها وحاولت أن تتذكّر بتأنٍّ.
كانت تذكر بوضوح أنها بدأت تتشاجر مع أولئك المتنمّرين في المدرسة، ثم سقطت من غير قصد في فتحة مجارٍ مكشوفة على جانب الطريق.
من يدري أيّ وغد ذاك الذي يسرق حتى أغطية فتحات المجاري، لكن كل ما دار في خاطرها وهي تسقط في تلك الفتحة كان فكرةً واحدة: ما أعمق هذه المياه!
غاص رأسها في مياه الصرف على الفور، بل شرقت باي يو بعدة جرعات كبيرة منها، كانت نتنة تفوح منها رائحة السمك. المياه القذرة التي دخلت فمها كانت أكثر إثارةً للاشمئزاز من هتاف لاو با فرحاً بعدما ينتهي من الأكل.
ثم بعد ذلك، لم يكن هناك «بعد ذلك».
انتهت ذكرياتها عند تلك اللحظة، وعاد رأسها يؤلمها من جديد.
«إذن… هل متّ أم…؟»
وجدت باي يو نفسها مستلقيةً في هذا المكان المجهول فور استيقاظها، في طقس شهر يوليو، ملفوفةً بلحاف ثقيل، والمكيّف مضبوط على ست عشرة درجة.
رفعت رأسها راغبةً في استكشاف الأمر قليلاً، لكنّ خصلة شعر أنيقة انزلقت فجأة بمحاذاة أذنها. فانكمش بؤبؤا عينيها.
شعرٌ أبيض!
«كيف صرت عجوزاً!!!»
«لا، مهلاً، ولمَ هذا الشعر طويل هكذا؟!»
صرخت باي يو مذعورةً، لكنّ الصوت الذي خرج كان صوت فتاة صافياً عذباً.
نهضت من الفراش دفعةً واحدة، فانزلق اللحاف الذي يغطي صدرها مباشرةً، وأحسّت على الفور ببرودة الغرفة. كما حاول الأرنبان الأبيضان الصغيران على صدرها أن يقفزا خارجين.
بفّ…
نزف أنف باي يو، هل أصبحت حقاً… حقاً فتاة؟
كيف يُعقل هذا، لا بد أنني أحلم…
ثم شعرت بذلك الإحساس الناعم البارد كالثلج ينتشر من يدها، لكنها ظلّت ترفض التصديق. رفعت اللحاف على الفور لتلقي نظرةً أخرى، فاحمرّ وجهها الصغير على الفور حتى بلغ عنقها.
يا له من لحاف أبيض!
سارعت باي يو إلى التغطّي باللحاف واستلقت.
كانت أنفاسها سريعةً بعض الشيء، تحاول جاهدةً أن تهدأ.
لم تصدّق باي يو أنّ حبكة التقمّص التي تجدها في الروايات قد حدثت لها هي بالذات. والأهم من كل ذلك،
لماذا جعلتموني أتقمّص في جسد فتاة!
أنا، باي يو، كرامتي التي حفظتُها طيلة عمري، ووووه…
لم تتمالك باي يو نفسها فرفعت اللحاف لتلقي نظرةً أخرى، وشعرت فجأة أنّ،
في الحقيقة، كون المرء فتاةً ليس بذلك السوء، هيهيهي… هيهيهي…
كانت باي يو فقيرةً في حياتها السابقة، انطوائية الطبع، ضعيفةً كثيرة المرض، ولا أصدقاء لها في المدرسة. والأهم من ذلك، أنّ دراستها أيضاً لم تكن جيدة، متوسطةً على الدوام.
كما أنها لم تعرف ماذا فعلت لتغيظ أولئك الشبان فصارت عرضةً دائمة لتنمّر المتنمّرين في صفّها. لم يكن أمام باي يو خيار سوى أن تتجرّع الألم بصمت، غاضبةً لكن غير جريئة على الردّ.
وفي النهاية، لم تعد تحتمل فبدأت تتشاجر مع أولئك المتنمّرين على جانب الطريق. كان جسدها ضعيفاً بطبعه، ثم أُضيف إلى ذلك تفوّق الطرف الآخر بالعدد، فسرعان ما لم يبقَ في مقدورها إلا أن تتكوّر على نفسها وتتلقّى الضربات. ثم وبينما كانت غافلةً، سقطت من غير قصد في المجارير.
كانت باي يو تظنّ أنّ أحدهم قد أنقذها، لكن تبيّن أنها ببساطة اختنقت حتى الموت من مياه الصرف النتنة.
كان الأمر مذلاً إلى أبعد الحدود!
كان هذا الجسد يحمل الاسم نفسه، فهي أيضاً تُدعى باي يو. وبعدما هدأت، بدأت الذكريات تتدفّق إلى دماغها، فأمدّتها ببعض المعلومات الأساسية عن وضعها الحالي.
الاسم: باي يو
العمر: ثمانية عشر عاماً
الطول: مئة وستون سنتيمتراً
الوزن: اثنان وأربعون كيلوغراماً
المقاسات: 82/58/78
أما عن سبب كون شعرها أبيض، فلم تكن باي يو تدري، لأنّ الفتاة باي يو كانت يتيمة. ربما كان الأمر وراثياً، أو ربما وُلدت به فحسب.
ومرةً أخرى، ولأنها كانت يتيمة، فقد اعتمدت صاحبة الجسد السابقة على كتابة روايات الويب لتكسب قوتها. ومع أنّ الدخل لم يكن كثيراً، إلا أنه على الأقل كان يكفي لتدبير أمورها بالكاد.
كانت رواية الويب تُنشَر على منصّة «فانتشيه». يُقال إنّ قرّاء «فانتشيه» هم الأكثر جاذبيةً، وأحسنهم كلاماً كذلك.
ماذا، تسأل لماذا فارقت باي يو الأصلية الحياة؟
هي أيضاً لا تدري. آخر ذكرى لديها كانت مجرد استلقائها لتنام.
ثم لم تستيقظ أبداً.
هذا النوع من المواقف، ربما كان موتاً مفاجئاً من كثرة السهر ليالٍ متواصلة لكتابة الرواية؟
«يا للمسكينة، يتيمة منذ الولادة. لم يكن سهلاً عليك أن تكبري إلى هذا الحدّ لتذهبي فجأة. لكن اطمئنّي، سأعيش حياةً طيبةً نيابةً عنك.
كانت قدرة باي يو على التكيّف عاليةً جداً؛ فقد منحتها السماء فرصةً لتبدأ من جديد، فعليها إذن أن تغتنمها!
التقطت الهاتف عند وسادتها وأدخلت كلمة المرور بيسر. لم يكن على الهاتف سوى بضعة أصدقاء، معظمهم زملاء دراسة.
فتحت تطبيق «البطريق». في داخله مجموعة معجبين أنشأتها باي يو، إشعاراتها مكتومة لكنّ فيها أكثر من تسع وتسعين رسالةً غير مقروءة. فتحت الدردشة.
كان الأعضاء في المجموعة منهمكين في معركة صور ساخرة، كلها مغرقة بصور الباندا الساخرة والصور الموحية.
لم تتأثّر باي يو. ولمّا لم ترَ شيئاً مفيداً، أغلقت الدردشة.
كان العالمان متطابقين إلى حدّ كبير، فربما كان هذا عالماً موازياً.
وضعت الهاتف جانباً، واستلقت على السرير بنظرة خالية.
مم، وقد تقمّصتُ في جسد فتاة، لا بدّ أن أفهم جسدي، صحيح؟
هذا منطقيٌّ جداً، أليس كذلك؟
…
وبعد وقت طويل، على السرير المفرد الأزرق الطريّ، كانت إحدى ساقَي باي يو الملساوين الشاحبتين الرشيقتين متدليةً خارج اللحاف، بينما ساقاها تشدّان اللحاف بإحكام.
في تلك اللحظة، كانت باي يو تتأمّل أسرار الحياة وميكانيكا الكمّ.
لم يكن في ذهنها الآن سوى فكرة واحدة: كون المرء فتاةً أمرٌ رائع!
تحسّرت باي يو في قرارة نفسها، ثم التقطت الهاتف الملقى بجانبها وألقت نظرةً على الوقت. كانت الساعة الآن الحادية عشرة والنصف صباحاً، وقد بلغ الطقس المرعب في الخارج تسعاً وثلاثين درجة.
بعد جولة التمارين البدنية تلك، شعرت بشيء من الجوع.
نظرت باي يو إلى الملابس المكوّمة بجانب السرير، عازمةً على أن تلتقطها أولاً وترتدي. لا يمكنها أن تبقى عاريةً طوال الوقت.
وفوق ذلك، أيّ فتاة طبيعية تنام عاريةً!
ارتدت باي يو الملابس الداخلية أولاً بشيء من الحرج، وبذلت جهداً كبيراً قبل أن تتمكّن أخيراً من إغلاق المشبك خلف ظهرها بكلتا يديها.
بعد ذلك مباشرةً، ارتدت تنورةً مكسّرة الطيّات والتقطت زيّاً بحرياً أبيض.
«لمَ يبدو هذا ضيّقاً بعض الشيء؟»
بعدما ارتدتهما، صار من المستحيل تجاهل قوامها المبهر.
التقطت باي يو زوجاً من الجوارب البيضاء الطويلة وارتدته. بلغت الجوارب البيضاء منتصف ربلتَي ساقيها تماماً، لكنها ظلّت تنزلق وتتكوّم في حلقات مترهّلة، وكأنّ الجوارب لم تُشدّ بشكل مستقيم. وبعد أن شدّتها عدة مرات أخرى، استسلمت فحسب.
مدلّيةً ساقيها عن حافة السرير، حدّقت في قدميها الصغيرتين داخل الجوارب البيضاء.
«ما أصغر هاتين القدمين، إنهما ليستا بحجم كفّي حتى.»
ثم، بعدما مدّت باي يو يدها، اكتشفت أنّ يديها أيضاً صغيرتان جداً. آه، لقد نسيت، فقد تقمّصت بالفعل.
بعد ذلك، عثرت على الحذاء الجلدي الأسود الصغير الملقى عشوائياً تحت السرير والتقطته لتلقي نظرة، مقاسه ستة وثلاثون فقط.
انتعلت باي يو الحذاء ونزلت عن السرير ووقفت أمام مرآة بطول القامة. إذن كان صحيحاً أنّ كل فتاة تملك مرآةً بطول القامة في غرفتها.
نظرت إلى نفسها في المرآة، فكان شعرها الأبيض الطويل المتهدّل عليها أشعثَ بعض الشيء آنذاك. بل كانت بضع خصلات من شعر النوم منتصبة.
ذاك الوجه الصغير الجميل لباي يو، كان أجمل حتى من زهرة المدرسة في حياتها السابقة. الزيّ البحري الأبيض مع التنورة المكسّرة الطيّات البيضاء والزرقاء كان يفيض بطاقة الشباب.
باي يو الخجولة المهزوزة الثقة من حياتها السابقة لربما ما تجرّأت حتى على مكالمة فتاة كهذه. من كان ليظنّ أنّ هذه الحياة ستكون كحلم يقظة تحقّق.
كان هذا حقاً مثلها الأعلى!
حدّقت باي يو في انعكاس صورتها في المرآة بإعجاب.
«آه، للأسف أنّ الأمر يخصّني أنا، يا لها من خسارة، تسك تسك تسك.»
ملاحظة المترجم: لاو با (老八) هو على ما يبدو شخص يصوّر مقاطع يأكل فيها أشياء بالغة القذارة.
💬 المناقشة