الفصل 2
ترجمة اريز
انستا : arez._.aa
بعد ثلاثة أيام.
في الفناء الخلفي للقصر الرئيسي، تناهمت خادمتان صغيرتان في السنّ وتهامسنا.
“هل سمعتِ؟ يقولون إن طائراً ما وُلد هذه المرة في عشّ بركة تشونيون!”
“إيه؟ حقاً؟ أيّ طائر؟”
“لا أعرف! لكنني رأيتُ كبير العشيرة منذ أيام يحمل شيئاً صغيراً في حضنه ويدلّله. ألا يمكن أن يكون ذلك الطائر؟”
عندها هزّت فتاة ذات ضفيرتين رأسها كمن لا تصدّق.
“إي، محال. لا بد أنه يحمل سيدنا الصغير. يقولون إن سيدنا الصغير وُلد ضعيفاً هكذا.”
في تلك اللحظة تدخّلت فجأة فتاة أخرى ترتدي مريلة.
“لا، لقد رأيته أنا أيضاً! ما يحمله كبير العشيرة في حضنه ليس سيدنا الصغير!”
“أتعنين أنه طائر حقاً؟”
أومأت فتاة المريلة برأسها سريعاً إجابةً لصديقتها.
“نعم، إنه فرخ طائر! أبيض اللون وصغير جداً! وعندما يزقزق ‘بيب بيب’ لا تعرفين كم هو ظريف!”
“‘بيب بيب’؟ أتقولين الآن إن كبير عشيرة التنين الأزرق يحمل في حضنه شيئاً مثل كتكوت؟ أليس هذا حُلماً راودكِ؟”
“لا! في الحقيقة، لقد ذهبتُ قبل قليل لأحضر عصيدة الحليب لإطعام الفرخ. ومع أنها وُضعت في وعاء بحجم طبق صلصة الصويا لا تتجاوز ملعقة واحدة!”
فتحت الفتاتان الأخريان عينيهما على وسعهما.
“حقاً؟ أهذا صحيح؟ إذاً، لماذا يحمل كبير العشيرة المشغول طائراً فجأة ويدور به؟”
“آه، هذا؟ شرحه لي السيد هي-ريم، ماذا كان يقول……؟ كان كلاماً صعباً نوعاً ما…….”
فكّرت فتاة المريلة ملياً ثم تذكرت الإجابة.
“آه، تذكرت! الطبع!”
“الطبع……؟”
أومأت الفتاة برأسها.
“يقولون إن أي فرخ طائر في العالم يظن أن أول من يراه عند ولادته هو أمه. أليسوا يسمون ذلك طبعاً؟”
“إ-إذاً، كبير عشيرتنا صار ‘أماً’ لفرخ طائر……؟”
نظرت الخادمات إلى بعضهن وأملن رؤوسهن.
بالتأكيد، كانت قصة غريبة.
كبير عشيرة التنين الأزرق أمّاً لفرخ طائر……؟
—
……دون أن تدري في أحلامها أن لها أماً فجأة، لا أباً حتى.
على مقربة، استنشقت آران في نومها رائحة شهية.
“بِي…؟”
(آه، عصيدة حليب الدُخن التي يحبها جسدي هذا……؟)
وبينما تتلمظ كأنها في حلم، سقطت قطرة من عصيدة الحليب الحلوة المعطّرة داخل منقارها المفتوح.
ابتلعت آران العصيدة دون حاجة حتى لأن تفتح عينيها.
“بِي…….”
(ل-لذيذة……. ليست رقيقة جداً ولا لزجة، قوام مثالي…….)
بعدها انفتح منقارها تلقائياً مرة بعد مرة.
“بِي-يت…….”
(ممم، حرارتها مناسبة تماماً ليست ساخنة ولا باردة…….)
وعندما كاد الوعاء الصغير أن يفرغ، ازداد بطن آران الصغير استدارة.
وبالغة السعادة، دفنت آران رأسها ثانيةً باحثةً عن الدفء الذي صار مألوفاً لها.
شيء ليس ناعماً بإفراط ولا قاسياً، بل كان يلف جسدها الوليد الرقيق بدفء وثبات.
ثم بدأ جسدها يهتز برفق كما لو كانت في أرجوحة.
“كيو-ونغ…….”
(لحظة، هذه خدعة واضحة……. جسدي هذا كان ينبغي أن يرتقي إلى العالم السماوي…….)
ولكن أليس ما هي فيه مريحاً جداً رغم أنه خديعة؟ ظهرها دافئ، بطنها ممتلئ…….
كم من الزمن مرّ منذ آخر مرة نامت فيها هكذا بعمق دون أي قلق……؟
وهكذا عادت آران للنوم كأنها تغسل تعب المئة عام الماضية.
—
مضى أسبوع على تجوال تشونغون والفرخ الطائر في حُضن ذراعه.
الطائر مجهول الهوية الذي كان يكسوه وبر أبيض قصير في اليوم الأول، تحسّنت هيئته بعد أسبوع من الأكل الجيد والرعاية.
فقد صار ريشه الأبيض المنتفش يلمع بنعومة، وساقاه الملطختان المتغضّنتان امتلأتا لحماً وردياً سميناً.
ومع ذلك كان لا يزال طائراً بحجم قبضة اليد، ولا يزال ينام أغلب الوقت حتى إنه نادراً ما يفتح عينيه.
لم يستطع هي-ريم أن يترك كبير العشيرة يخدم كائناً صغيراً بنفسه، فتولّى إطعام الطائر طعام الفطام بدلاً منه، لكنه لم يكن مقتنعاً بهذا الوضع.
رأى هي-ريم سيده يقرأ كتاباً بهدوء بذراعه الحرة، فسأله وقد بلغ منه الضيق مبلغه.
“إنه ليس طائر فيرمليون حقاً، أليس كذلك؟ ألا يزيدك الكتاب يقيناً؟”
“ماذا؟ أتقصد هذا الصغير؟”
الكتاب الذي يحمله تشونغون كان كتاب تربية طائر الفيرميليون .
فبعد أن عزم قبل أسبوع على اتخاذ الطائر أصغر أفراد العشيرة، أرسل تشونغون فرسان التنين الأزرق لـ’سرقته’ من قصر طائر الفيرميليون.
يا إلهي، سيدي يأمر بالسرقة…….
كانت صدمة هي-ريم كبيرة بذلك وحده، لكنه كان على استعداد لتغاضي النظر مرة واحدة لو أن سيده أفاق من خلال كتاب التربية.
إلا أن تشونغون فتح فمه بتعبير غير مبالٍ وحطّم توقعات معاونه المخلص.
“همم، إنه طائر فيرمليون بلا شك.”
سيُجنّ ويقفز.
إنها أسطوانة طائر الفيرميليون نفسها.
في الواقع، كان من الصعب على هي-ريم طبعاً أن يتقبل هذا الزعم وهو لا يعرف أن تشونغون يمتلك رؤية المستقبل…….
لكن لسوء حظ هي-ريم، كان تشونغون كبير عشيرة التنين الأزرق والحاكم الأكبر للشرق.
حاكم فعليّ يملك الحق في فعل ما يشاء في الشرق كله طالما لا يدبّر انقلاباً.
أغلق تشونغون كتاب التربية بلمسة هادئة.
“ها قد عرفنا كل ما يلزم، والآن لا بد من إحضار مربية. يقولون إن تربية طائر الفيرميليون تستوجب مربية لأنه يجب أن يتعلم المشي والطيران أيضاً.”
عندها، توقف الفرخ الطائر الذي كان ملتصقاً بحضن ذراع تشونغون كأنما تجذّر فجأة ورفع رأسه.
“بِب؟”
(ماذا؟ لا! لا حاجة لي بمربية!)
مربية؟
كان الأمر جللاً إلى درجة أنه بدّد فوراً نعاس آران الذي لازمها بإصرار طيلة أسبوع.
لكنها كانت لغة البهائم التي لا يزال لا أحد يفهمها…….
مسح تشونغون رأس الطائر المستدير وقال بسعادة.
“انظري، صرتِ تفتحين عينيكِ الواسعتين المستديرتين الآن. كم أتمنى لو يعود هوي سريعاً ليترجم لنا ما تقوله الصغيرة.”
ماذا؟
يوجد صاحب قدرة لغة بهائم في هذه العائلة؟
أحضروه فوراً-!
“بِيْب، بِيب-!”
(اسمع أيها التنين الأزرق! استمع إلى ما أقول! أنا لا أحتاج إلى مربية-!)
—
أثارت آران جلبة وكأن كلمة ‘مربية’ أصابتها بالأرتكاريا، لكن سرعان ما فقدت قواها وعادت للنوم.
وحينها، زارتها في الحلم ذكريات ماضٍ كانت قد نسيته تماماً.
“آه، كم هو قبيح. يقولون إنه ابن غير شرعي للآنسة الصغيرة الراحلة؟”
في زمن بعيد خفتت حتى ذكراه، كانت آران عار العائلة.
شوكة في العين خرجت من البيضة التي باضتها فجأة الابنة الصغرى لعشيرة الفيرميليون التي لم تتزوج بعد.
وحين توفيت أمها التي كان جسدها ضعيفاً ولم تقو على التغلب على حمّى النفاس تاركة البيضة حديثة الفقس، توجّهت كل الإدانات إلى الفرخ الصغير المهمل وحده.
“طائر فيرمليون بلا نقوش، يا له من مشهد.”
“كم كانت آنستنا مثيرة للشفقة وحمقاء، تفقد حياتها لتلد شيئاً كهذا.”
“ثم ما هذه العيون السوداء؟ مع من يا ترى ارتبطت الآنسة التي كانت تبدو هادئة؟ ربما تكون قد تعرضت لأمر سيء.”
وحتى الشائعات القذرة كانت تدور في القصر، فما كان لأحد أفراد العائلة أن يرحب بطفل غير شرعي لا يحمل أبسط نقوش العائلة.
بعد نحو أسبوع من الولادة، سأل جو سانغ-ريون، كبير عشيرة الفيرميليون وجدّ آران، المربية بوجه ممتعض.
“ألم تقوَ هذه الصغيرة على المشي بعد؟ لماذا؟”
ويبدو أن وجود آران الناقصة كان يخجل حتى المربية.
فلا بد أنها كانت مستاءة لأنها تضطر لتربية كتلة لحم شاحبة حقيرة بدل طائر فيرمليون يحمل نقش اللهب الذي سيرث العائلة.
أجابت المربية وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة.
“لقد فقست متأخرة أسبوعاً عن غيرها، ومع ذلك تتأخر في المشي. سيكون من الصعب أن تبقى على قيد الحياة…….”
“بِي-يت…….”
(لا يا جدي. أستطيع أنا أيضاً. أرجوك انتظر قليلاً……!)
لم يفكر جو سانغ-ريون حتى في أن يتبيّن توسلات الطائر الصغير، بل تجاهله.
“كنتُ أتساءل ماذا سأفعل بكتلة الدم هذه التي فقدت أمها، لكن السماء تعينني.”
“بِي…؟”
(جدي……؟)
“لا تسبّبي ضجّة ما حييتِ.”
كان أمراً مريحاً جداً لجو سانغ-ريون.
أن يعمّر طفل حقير مخزٍ لا يعرف أباه ولا يملك نقشاً، عمراً قصيراً.
بعد هذا الإذن الضمني من كبير العشيرة، صارت المربية أشد جرأة.
“بِيْب…….”
(البرد…….)
ألصقت مهد آران بجدار الجانب الشمالي الأبرد.
“بِب، بِي…….”
(ال-الجوع…….)
وقلّلت طعامها.
ولهذا لم تستطع آران إلا السير بتعثّر في الشهر الذي كان يفترض أن يطير فيه طائر الفيرميليون، وتناستها العائلة كأنها نسيت وجودها.
بعد أشهر، بدأ صيف الجنوب اللاذع.
تركت المربية المهد تحت الشمس الحارة وأهملت آران طوال اليوم دون أن تعطيها قطرة ماء.
“بِي-يت……!”
(العطش……!)
وعندما تدحرجت آران خارج المهد برأسها المتمايل وكادت تسقط، هطل مطر بدا لها كماء الحياة.
“بِب!”
(ماء!)
وهي غارقة تماماً بهيئة بائسة، شربت ماء المطر وسارت تتمايل حتى انهارت من الإعياء.
عندها، جاء أحد ولفّ آران بقماش جاف.
“يا إلهي، من أنتِ؟ كم أنتِ مثيرة للشفقة.”
صاحبة الصوت اليافع كانت الخادمة أوك-دان من غرفة الغسيل، أحقر موظفي قصر طائر الفيرميليون.
—
في صباح اليوم التالي.
فتحت آران عينيها فجأة وتنفست بتسارع.
كان حلماً رأت فيه أوك-دان بعد زمن طويل جداً.
“بِب…….”
(أوك-دان خاصتنا……، أتكونين بخير؟)
وهي كذلك، شعرت بنظرة باردة.
“بِيغ……؟”
(ماذا……؟)
وفي المكان الذي أدارت إليه رأسها بصعوبة، كان هناك فتى يافع وسيم طويل القامة واقفاً بشكل مائل.
“أنتِ بالأحرى، ماذا تكونين؟ تجيدين الكلام منذ الآن؟”
إنه يفهم!
آران وجدت أخيراً تنيناً يفهم الكلام!
—–
💬 المناقشة