الفصل 3

الفصل 3. موتي أسرع من نهاية العالم (3)

ماتت تشون يوميونغ.

تلك المرأة التي لُقِّبت بأقوى صيّادة في التاريخ، والتي وقفت في طليعة البشرية طوال الثلاثين عامًا الماضية… قُتلت على يد شخصٍ مجهول.

مهما فكرت في الأمر، فإن هذه الجملة لا يمكن أن يستوعبها العقل.

‘من ذا الذي يجرؤ على قتل تشون يوميونغ؟ لا يمكن أن يوجد إنسان أقوى من تلك المرأة…’

أي شخص يعرف القائدة تشون يوميونغ كان سيقول الشيء نفسه.

لكن مذيع الأخبار على شاشة التلفاز أكّد مجددًا أن ما لا يُصدَّق قد حدث بالفعل.

[خبر عاجل. وقع هجوم إرهابي باستخدام المتفجرات صباح اليوم في مقر الاجتماع الرسمي لتحالف النقابات الثلاث الكبرى. لقيت القائدة تشون يو ميونغ وثلاثة من كبار الصيادين مصرعهم في الموقع، بينما أُصيب القائد سيو مونسونغ بجروح خطيرة ونقل إلى المستشفى. وقد أعلنت هيئة الإدارة حالة الطوارئ وبدأت التحقيقات، لكنها لم تتمكن حتى الآن من تحديد هوية المشتبه به—]

“تفجير إرهابي؟”

تمتم مدير المتجر بصوت مرتجف.

في تلك اللحظة، هدأ ذهني تماما، شعرت وكأن ماءً باردًا سُكب على رأسي.

قبضت على يدي المرتجفة قليلًا، وأعدت استيعاب تفاصيل موت تشون يوميونغ.

‘إذن هذا هو السبب… لهذا انسحبت نقابتنا من التحالف، ولهذا فشلت البشرية في اقتحام الطابق الأعلى.’

كان استخدام المهارات محظورًا داخل قاعة الاجتماعات لمنع اشتباكات بين كبار الصيادين.

ولو كان الإرهابي يعرف تلك القاعدة السرية وزرع المتفجرات مسبقًا دون أن يلاحظه أحد حتى لحظة الانفجار…

لذلك هذا الهجوم لا يمكن أن يحدث إلا بوجود خائن داخل اتحاد الصيادين نفسه.

“ولكن، نان يونغ، ألم تكن صيادا في الأصل؟ أليس من المستحيل دخول قاعة الاجتماعات؟ أعني، لا يدخلها إلا صيادو النقابات الكبرى.”

“…نعم، هذا صحيح.”

اختراق ذلك المستوى من الأمن وتنفيذ هجوم على كبار الصيادين وهم غير قادرين على الرد… لا يمكن أن يكون إلا من الداخل.

هناك خائن يهدف إلى إسقاط كبار الصيادين وإغراق مجتمع الصيادين في الفوضى.

حين قادني هذا الاستنتاج إلى أن انهيار البرج سيبدأ من هنا، لم أعد أستطيع البقاء ساكنًا.

“انتظر! إلى أين تذهب يا غو نانيونغ؟!”

الوضع كان غامضا. لم يكن هناك ما يمكن الجزم به، ولم تكن لدي خطة بديلة مقنعة.

حتى لو كان البرج ينهار فعلًا، ماذا يمكن لشخص مثلي أن يفعل؟

أعرف كل ذلك جيدًا… ومع ذلك تحرك جسدي قبل عقلي.

‘لا يمكنني البقاء مكتوف اليدين. لقد كنت صيادًا في النهاية… يجب أن أفعل شيئًا.’

اندفعت إلى الشارع أبحث عن سيارة أجرة، وكل ما يدور في رأسي هو محاولة منع المستقبل الذي سيأتي بعد موت تشون يوميونغ.

لكن العثور على سيارة في هذا الطريق  المعزول كان صعبًا.

‘كم يستغرق الوصول إلى المحطة من هنا؟ هل أستعير دراجة نارية أفضل؟’

صرير—

وبينما كنت أفكر بالعودة إلى المتجر، توقفت أمامي سيارة أجرة قديمة تحمل لوحة أرقام مائلة.

“هل تذهب أيضا إلى المحطة؟”

“يمكنني ذلك، لكنها مغلقة حاليا. لا يُسمح بالمرور إلا للصيادين، أما العوام أمثالنا فلا عمل لهم هناك.”

“لا يهم. انطلق فورا.”

مهما كان، فأنا مُسجل كصياد من الرتبة S، لذلك الدخول إلى الطوابق العليا لن يكون مشكلة.

ركبت السيارة، ولاحظت نظرات السائق في المرآة وهو يراقبني بصمت.

في طريقنا نحو المحطة، أخرجت هاتفي وأعدت قراءة رسالة سيو مونسونغ التي وصلت صباحًا.

[سيو مونسونغ: نانيونغ، هل يسير عملك جيدًا؟] 08:27

نبرة عادية وهادئة، كأنه لا يعرف أنه بعد ساعات قليلة سيصبح ضحية في تفجير دموي.

‘لا يمكن أن يكون هو الخائن، شخص مستقيم مثله، يهتم بـشخصٍ مثلي رغم كل الضغائن السابقة بيننا، لا يمكن أن يبيع الصيادين.’

رغم أنني كنت أشك به أحيانًا، إلا أن سيو مونسونغ لم يتوقف يومًا عن مساعدتي.

كان مختلفًا عن الصورة التي قد يرسمها الآخرون عنه.

لكن الصيادون الآخرين لن يروا ذلك.

مقتل صاحبة المركز الأول، وبقاء القائد سيو مونسونغ الذي لم يتفوق عليها يومًا كصياد أو كقائد نقابة.

المفارقة وحدها كافية لإشعال صراع بين أكبر نقابتين.

‘هل نجاته صدفة أم جزء من خطة؟ من المؤكد أن هناك من يحاول تمزيق مجتمع الصيادين من الداخل… لكن من؟ ولماذا؟’

كان واضحًا أن الطوابق العليا شهدت تغييرات خطيرة منذ غيابي.

ومجرد إدراك ذلك جعل الندم ينهشني.

كان عليّ أن أبقى هناك، لا أن أهرب وأترك كل شيء خلفي.

‘كان يجب أن ألاحظ ما سيحدث للقائدة… كيف لم أربط بين استبعاد نقابتنا من غزو الطابق الأخير وبين ذلك؟’

لكن الندم لا يغيّر شيئًا.

أخرجت هاتفي وبحثت عن جهة اتصال قديمة، على أمل أن أستعيد أي خيط يمكن أن ينقذ ما تبقى.

وبينما كنت أكتب رسالة، قطع السائق الصمت فجأة.

“يمكنك أن تنام قليلًا، سأوقظك عند الوصول.”

“لا بأس.”

“إصرارك على الذهاب رغم أن المحطة مغلقة… هل أنت صياد؟ ملامحك تبدو لي مألوفة.”

“شيء قريب من ذلك.”

عندما أجبت بتردد، انقطع الحديث فجأة، وساد صمت ثقيل.

ثم شعرت بنظراته تخترقني كالإبر.

“هل هناك خطب ما…”

رفعت رأسي.

كان قد ترك المقود واستدار بالكامل نحوي، يحدق بعينين زائغتين.

في تلك اللحظة، شعرت بقشعريرة مرعبة تسري في جسدي.

“يبدو أن هذا هو السبب وراء وضع مكافأة ضخمة كهذه على رأسه.”

طَقّ.

مددت يدي نحو مقبض الباب غريزيًا، لكن قفل الأمان سبقني بجزء من الثانية.

وفجأة، انطلقت السيارة بسرعة جنونية.

“أنا محظوظ جدا اليوم، المنطقة مليئة بأشخاص يطاردونك من أجل مكافأتك. كنت أدور حول المحلات منذ الصباح لأتصيد الفرصة، لكنك ظهرت أمامي وحدك.”

كان يقود السيارة بعشوائية تامة، يتنقل بين النظر إلى هاتفه ووجهي.

على الشاشة ظهرت صورتي ومعلوماتي تحت قائمة مكافآت.

“آسف… لكن لدي ديون قمار. لو كنت وحدي لفضلت الإنتحار، لكن لدي عائلة. هذه طريقتي الأخيرة لإنقاذهم.”

“3 مليارات وون مقابل رأسي… هذا يعادل تقريبا راتبي السنوي عندما أصبحت نائب القائدة.”

بينما كان يبرر جريمته بصوت ممزوج  الإثارة و الخوف ،تمتمتُ بهدوء وأنا أراقب الطريق يمر كوميض خلف النافذة.

ومن خلف النهر الاصطناعي، بدأ يظهر ذلك العمود الهائل الذي يخترق السماء.

‘إنها المحطة… لم يتبقَّ سوى الجسر.’

اجتازت السيارة خط الوسط ودخلت الجسر دون اكتراث بأبواق الشاحنات.

لم يبقَ سوى اختياري.

إما قتل السائق وأخذ السيارة.

أو القفز.

في المرآة، رأيت سيارات سيدان سوداء تلاحقنا، وشاحنة ضخمة تقترب من الجهة المقابلة، وتحت الجسر كان النهر يبتلع كل شيء.

“أنت محق… بالنسبة لشخص غارق في الديون، يبدو أن حظك اليوم جيد جدًا.”

رفعت مرفقي وضربت النافذة بقوة.

تحطمت!

تشققت النافذة في لمح البصر، وتناثرت شظايا الزجاج كالمطر.

“ماذا—؟!”

صرخ السائق بذعر محاولاً الإمساك بالمقود، لكنني كنتُ قد غطيت رأسي وقذفتُ بجسدي بالكامل عبر النافذة.

سقطت على الإسفلت، وتدحرجت حتى اصطدمت بالحاجز الحديدي.

خلال ذلك شعرت بالمانا تدور في عروقي وتستجيب لي مجددا.

‘جيد. قدراتي لم تختف. إذا صعدت وأثبت ذلك، وعندها سينفتح أمامي طريق العودة إلى نقابتنا.’

​من أرسل هؤلاء الهواة، وهل للأمر علاقة باغتيال القائدة، كل هذه الأمور يمكن كشفها بعد عودتي إلى الطوابق العليا.
أمسكتُ بالحاجز مستعدًا للقفز إلى النهر أولا للهرب من المطاردة.

بانغ!

دوّى صوت إطلاق النار من مسافة قريبة.

“…ماذا؟”

في لحظة واحدة، تلونت رؤيتي بالأحمر، وتجمد تفكيري تمامًا.

ترنحتُ لوهلة، وفي النهاية لم أستطع تجاوز الحاجز، فسقطتُ على الأرض بلا حول ولا قوة.

صرير، دوووم!

في اللحظة نفسها، غيرت الشاحنة مسارها وسحقت جسدي بالكامل.

‘كما توقعت، كان موتي أسرع من نهاية العالم..’

مع الألم الفظيع، انطفأ بصري وحلّ الظلام الدامس.

ربما لأن الرصاصة اخترقت رأسي مباشرة، لم أحظَ حتى بفرصة رؤية شريط ذكرياتي يمر أمامي.

إدراكي أن قاتلًا محترفًا حقيقيًا كان مختبنا بين أولئك الهواة.

وشعوري بأن رفاقي الذين أعرفهم سيبادون بالطريقة نفسها.

ويقيني بأن المستقبل الذي ينهار فيه البرج سيأتي لا محالة قريبًا.

ومع ذلك، كان أكثر ما يثقل علي هو ندمي لأنني لم أتمكن في النهاية من فعل أي شيء.

‘لو كان بإمكاني إعادة الزمن إلى الوراء… لو أتيحت لي فرصة أخرى لمنع النهاية … لكنت نجحت في هذه المرة.’

وحتى اللحظة التي انقطعت فيها أنفاسي، ظللتُ أتشبث بـأمل حدوث معجزة، وسط تلك النهاية التافهة.

***

نعم، لقد واجهت نهايتي بالتأكيد.
لكن لماذا ما زلت على قيد الحياة؟

“نائب القائدة!”

في ضجيج لا ينقطع، ناداني أحدهم بصوت عالٍ.
رفعت رأسي دون وعي، فانحسر الظلام الذي كان يحيط بي من كل جانب، وظهرت أمامي ملامح صالة رياضية مألوفة.
كنت جالسًا في زاوية المكان، مرتديًا بدلة قتال تعلوها سترة بغطاء رأس.

“ما الذي يحدث هنا؟”

“نائب القائدة، ليس وقت النوم الآن. فريق البث سيصل بعد قليل. إن استمر الوضع هكذا، فلن يكون أمامكم أي مخرج سوى خوض مباراة تصنيفية ضد الصياد صاحب التصنيف 999!”

كان الصياد ذو الوجه المألوف يثرثر بكلام غريب بينما يحثني على الإسراع.

نائب القائدة؟ الصياد المصنف 999؟ مباراة تصنيفية؟

تلك عبارات لم أسمعها إلا قبل أربع أو خمس سنوات، حين كنت أدعي أن البرج سينهار، وكنت أسيء إلى سمعة نقابة إنبوم.

انتظر لحظة.

الآن بعد أن فكرت في الأمر، ألم يحدث شيء مشابه قبل أن يتم طردي من النقابة؟

“من الأفضل أن تتراجع وتنسحب. مهما فكرت في الأمر، هذه المعركة لن تعود بأي فائدة على نقابتنا. لقد أصبحت أصلًا في مرمى استياء القائدة، وإذا تم بثّ خسارتك أمام الصياد صاحب التصنيف 999….”

“صحيح. ولهذا السبب طردتني تلك المرأة من النقابة بعد أقل من شهر.”

“ماذا؟”

هذا الواقع بلا شك.

الإحساس الذي اخترق جبيني برصاصة لا يزال حيًا وواضحًا، لدرجة أنه لم يترك مجالًا لأي لبس.

مررت يدي على جبيني الذي لم يعد يحمل أي أثر، ثم نظرت إلى ساعة الجدار في الصالة الرياضية.

[10 يناير 2136، الساعة 2:15 ظهرًا]

“إذًا، إذا كان توقعي صحيحًا… فهذا يعني أنني بعد قليل سأصبح أسوأ صياد من فئة S في التاريخ، بعد أن أُهزم بشكلٍ مُذل على يد الصياد المصنف 999.”

في لحظة الموت، عدت.

عدت إلى ذلك اليوم الذي انتهت فيه حياتي كصياد.

عودة إلى قبل أربع سنوات.

كانت هذه الفرصة التي تمنيتها طوال الوقت، وأنا أحتضر حتى آخر لحظة.

لقد مُنحتُ فرصة لإعادة كتابة المستقبل التعيس الذي كان ينتظرني.

“إذًا… سأبدأ من الآن بتغيير كل شيء، اعتمادًا على ما أعرفه عن المستقبل.”

لقد سُئلتُ ذات مرة سؤالًا كهذا.
إذا كان العالم سينتهي غدًا، فماذا ستفعل اليوم؟

كنت سأجيب بأنني سأهب يومي هذا كله، كي أمنع ذلك الغد من أن يأتي أصلًا.

ذلك كان جوابي.

🎉

انتهى الفصل 3

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك