إنها تمطر
📖 الفصل 4

الفصل 4

«يا “هايتانغ”، استقري في السكن هنا وارتادي البال! لقد أوصتني السيدة خصيصاً، ويمكنكِ الانتقال مباشرة غداً. لقد جعلتُ البعض يأتون صباح اليوم لتنظيف المكان بالكامل، فالنوافذ لامعة وكل شيء نقي، ويمكنكِ السكن فوراً بحقيبتكِ فقط.»

دلت “يو جينغتانغ” إلى غرفة المعيشة، وجالت بنظرها في المساحة الواسعة، ولم تستطع منع نفسها من السؤال بصوت خفيض: «ولكن يا خالة وانغ، منزل بهذا الحجم الكبيرة، لماذا تركه الخالة “يو” وعائلتها فارغاً طوال هذا الوقت؟»

ابتسمت الخالة وانغ فور سماع ذلك، ومشت نحو النافذة لتفتح نصف الستارة الشفافة، وتدع أضواء الشفق الغاربة تتسلل للداخل، ثم بدأت توضح ببطء: «هذه الشقة اشترتها السيدة خصيصاً قبل بضع سنوات ليقيم فيها السيد الشاب. في ذلك الوقت، كان السيد الشاب يدرس في المرحلة الثانوية، وكانت مدرسته قريبة من هنا. أشفقَت السيدة عليه من الازدحام وقلة الراحة في السكن المدرسي، فاشترت هذه الشقة ليتنعم ببيئة مريحة ويسهل عليه الذهاب للمدرسة.»

توقفت قليلاً، وظهرت في نبرتها بعض المشاعر: «ولكن لاحقاً، بعد أن قُبل السيد الشاب في الجامعة، سافر للدراسة في الخارج، واستمر هناك لست سنوات متواصلة دون أن يعود للإقامة الطويلة. أما السيدة والسيد فكانت إقامتهما المعتادة في الفيلا القديمة، فبقيت هذه الشقة فارغة. والحسن في الأمر أننا ننظفها دورياً، فلم تتراكم عليها الأتربة.»

وبعد فهم الأسباب والتفاصيل، تلاشت المخاوف من قلب “يو جينغتانغ” تماماً، وقالت بابتسامة وهزت رأسها: «تبين أن الأمر هكذا، إذاً سأقبل هذا الكرم والتيسير شاكرة، وأشكر الخالة “يو” وأشكركِ جزيلاً!»

وحين رأتها توافق، ازدادت الابتسامة على وجه الخالة وانغ، وأخرجت هاتفها فوراً لتجري مكالمة مع “يو شياوفين”، بل وسلمت الهاتف لـ “يو جينغتانغ”.

وعبر الهاتف، كررت “يو جينغتانغ” شكرها الشديد لـ “يو شياوفين”، فيما واصلت “يو شياوفين” توصيتها بأن تطلب من الخالة وانغ أي شيء ينقصها دون أي حرج.

وبعد إغلاق المكالمة، أوضحت الخالة وانغ لـ “يو جينغتانغ” أماكن مفاتيح الكهرباء والماء والغاز، وطرق التواصل مع إدارة المجمع السكني بالتفصيل، ثم أخذت حقيبتها: «سأغادر الآن إذاً، وإذا كان هناك أي شيء لا تفهمينه، فاتصلي بي في أي وقت.»

وبعد توديع الخالة وانغ وإغلاق باب الشقة برفق، تبادلت “يو جينغتانغ” و”يانغ منغران” النظرات، وتنهدتا براحة في وقت واحد.

توجهت “يانغ منغران” إلى منتصف غرفة المعيشة، ودارت دورة كاملة بنبرة تملؤها الصدمة والذهول: «كنتُ أتوقع سابقاً أن “المنزل الكبير” الذي تحدثت عنه خالتكِ “يو” لن يكون صغيراً، ولكنني لم أتخيل أبداً أن يكون بهذه الضخامة! إنه أكبر مرتين من شقتي المفروشة، وهذا الضوء وهذه الإطلالة البانورامية… الأجواء ساحرة للغاية!»

أومأت “يو جينغتانغ” برأسها أيضاً، ولمست بأطراف أصابعها مسند الأريكة الخفي، فشعرت بنعومة مريحة، وظهرت في عينيها مشاعر الامتنان: «أنا كذلك، كان الأمر خارج توقعاتي كلياً. الخالة “يو” تعتني بي كثيراً، ولابد لي من تقديم شكر جليل لها مستقبلاً.»

وعند الخروج من المجمع السكني، اتجهت الفتاتان الواحدة تلو الأخرى نحو سيارتيهما. وبعد الخروج من “خليج ويشوي بالضفة الغربية”، أدارت “يانغ منغران” مقود سيارتها الـ BMW الحمراء، وأشارت لـ “يو جينغتانغ” بحركة “اتبعيني”، لتنعطف السيارة الحمراء أولاً نحو زاوية الشارع.

وبعد قيادة استغرقت أكثر من عشرين دقيقة، توقفت السيارتان أمام مطعم للوجبات الساخنة (الهوت بوت)، حيث كان الضوء الأصفر الدافئ ينبعث عبر الأبواب الزجاجية، وتظهر من خلاله أطياف البخار المتصاعد في الداخل.

وبعد إيقاف السيارتين والدخول من الباب، هبت عليهما رائحة المرق الفواحة المحملة بالدفء، لتطرد برودة المساء.

وجلستا عند طاولة مجاورة للنافذة، وأخذت “يانغ منغران” قائمة الطعام ببراعة واعتياد: «وفق القواعد القديمة؛ وعاء المرق المزدوج، المرق الحار جداً بنكهة الفلفل والزيت، والمرق الصافي بنكهة الطماطم. وسأطلب لكِ شرائح اللحم البقري التي تحبينها، وكرات اللحم البقري، وشرائح التوفو وشرائح البطاطس، ما رأيكِ؟»

ابتسمت “يو جينغتانغ” وأومأت: «مثالي! أفضل وأشمل مما أطلبه بنفسي! أتذكر أنكِ أحضرتِني إلى هذا المكان مرتين من قبل، ولم يخطر ببالي أنه يبعد حوالي عشرة كيلومترات فقط عن خليج ويشوي بالضفة الغربية.»

«بالتأكيد! وعلى بعد خمسة كيلومترات من هنا، تقع حانتي! بعد الانتهاء من الطعام لاحقاً، يتوجب عليّ الذهاب للحانة، هل تودين القدوم معي؟»

«لا، أنا أقود السيارة اليوم ولن أتمكن من الشرب، لنؤجلها لوقت آخر! وبما أنني سأسكن هنا، فالوصول إلى حانتكِ سيكون سهلاً للغاية مستقبلاً!»

أومأت “يانغ منغران” موافقة، وفي هذه اللحظة، أحضر النادل وعاء المرق وسكبه، حيث أخذ الزيت الحار يغلي ويصدر فقاقيع، بينما طفت قطع الطماطم الكبيرة في المرق الصافي، وفاحت الرائحة العطرية بكثافة.

أخذت “يانغ منغران” قطعة من شرائح اللحم البقري ووضعتها في المرق الحار، وما إن تغير لونها حتى رفعتها وضبطت التوابل وقدمتها في وعاء “يو جينغتانغ”: «تذوقي هذه، اللحم طري للغاية، ومتناسق تماماً مع هذا الطبق الجاف!»

قضمت “يو جينغتانغ” قطعة، وانتشر طعم اللحم الطازج مع الحرارة في فمها، فقالت متتالية: «شهي جداً! هذه هي النكهة الاصيلة!» وأثناء حديثها، وضعت شريحة لـ “يانغ منغران” أيضاً: «كلي أنتِ أيضاً، الطعم مذهل!»

وأخذت الصديقتان تتناقلان أطراف الحديث أثناء تناول الطعام، والأحاديث تتدفق بينهما بلا انقطاع.

«عندما تنتقلين للشقة، سنشتري بعض المأكولات في عطلة نهاية الأسبوع، ونحتسي الشاي في غرفة المعيشة لديكِ، ونشاهد البحر من الداخل، سيكون ذلك ممتعاً ومريحاً للغاية!»

شربت “يانغ منغران” رشفة من مشروبها المثلج، ولمعت عيناها ببهجة.

ونظرت “يو جينغتانغ” إلى منظر الليل خارج النافذة، وهي تمسك بشريحة البطاطس المطهوة طازجاً، والادفاء يغمر قلبها.

كان البخار يضبب الزجاج، ويغلف ضحكات الفتاتين، حتى أن مرق الوعاء المشتعل كان يعكس أجواء دافئة وحيوية للغاية.

وبعد الانتهاء من الوجبة الساخنة، جلست الصديقتان في السيارة لتستنشقا هواء المساء، وتزيلان بعض رائحة الطعام والحرارة العالقة بملابسهما.

نظرت “يانغ منغران” إلى الساعة، وأغلقت هاتفها وقالت لـ “يو جينغتانغ”: «سأغادر الآن، فعدد العمال غير كافٍ الليلة، وسأذهب للمساعدة.»

ردت “يو جينغتانغ” فور سماع ذلك: «لا ترهقي نفسكِ كثيراً، وانتبهي لأموركِ، وأخبريني عندما تنتهين.»

«اطمئني، سأشرف على الأمور فقط دون الحاجة للعمل بيدي.» مسدت “يانغ منغران” ذراع صديقتها، وشغلت السيارة: «سأتجه نحو الحانة، انتبهي في طريق عودتكِ للمنزل، وإذا احتجتِ لأي شيء غداً أثناء الانتقال، اتصلي بي.»

«حسناً! وداعاً!»

أضاءت الإشارة الحمراء عند التقاطع، وتوقفت السيارتان جنباً إلى جنب لفترة قصيرة، وما إن أضاءت الإشارة الخضراء حتى افترقتا—اتجهت سيارة الـ BMW الحمراء الخاصة بـ “يانغ منغران” نحو عمق المنطقة التجارية حيث تتألق أضواء النيون، وتختبئ حانتها في الطابق الأول من مبنى صغير بأضواء دافئة.

بينما قادت “يو جينغتانغ” سيارة الشاومي السوداء عائدة إلى منزلها، وكانت رياح المساء تحمل معها عبق زهور أوسمانثوس اللطيف، حيث كان هذا هو الموسم المزهر لتلك الزهور.

وعندما وصلت “يانغ منغران” إلى الحانة، كان هناك زبائن ينتظرون في الطابور عند الباب. وما إن رأها العاملون حتى أسرع أحدهم للاستقبال: «أختي منغران، جميع المقاعد محجوزة الليلة، والمقاعد المخصصة لإعداد المشروبات تشهد ازدحاماً.»

أومأت برأسها، وخلعت معطفها ل تضعه في الخلفية، وشمرت عن أكمامها لتبدأ في المساعدة في مراجعة الطلبات، وتناول الأدوات لمنسق المشروبات بين الحين والآخر، بمهارة ونشاط حاسم خالي من الرقة السابقة أثناء تناول الطعام، ليظهر طابع صاحبة العمل العملي.

وعلى الجانب الآخر، وصلت “يو جينغتانغ” إلى منزلها، وما إن فتحت الباب حتى رأت الورقة التي تركها والداها، يخبرانها فيها بانهما خرجا لأمر ما وأبقيا لها حساءً دافئاً.

أرسلت رسالة لـ “يانغ منغران”: «وصلتُ إلى المنزل، واصلي جهودكِ يا صاحبة العمل يانغ!»

ثم اتجهت للمطبخ وسكبت الحساء، وأخذت تشربه وهي تكتب قائمة احتياجات الانتقال ليوم غد على هاتفها، والترقب والطمأنينة يغمران قلبها.

أما لدى “يانغ منغران”، فبعد أن أنهت عملها للتو، أسرع أحد العاملين نحوها باضطراب قائلاً: «أختي منغران، هناك زبون يطلب إعداد كوكتيل “الشفق” خصيصاً، لكن معد المشروبات مشغول للغاية ولا يستطيع اللحاق.»

«لا بأس، سأذهب أنا.»

«حسناً يا أختي منغران، هذا السيد جاء لمرات عدة وهو زبون دائم، وسمعتُ أنه من أبناء العائلات الثرية، وهو السيد “هـي تشي شو” الشهير من عائلة “هـي”.»

نظرت “يانغ منغران” في اتجاهه، ورأت رجلاً يجلس في المقعد يسند ذقنه بيده، ويدير كأساً فارغاً بين أصابعه بلامبالاة. وكان الضوء يقع على وجهه، يبرز خطوط فكه الحادة، وحاجباه مرفوعان قليلاً بطابع غير مبالٍ ولكن دون أي ابتذال.

هذا هو “هـي تشي شو”، الابن الشهير لعائلة “هـي”، والجميع في تلك الأوساط يعلمون أنه يرتاد الحانات باستمرار، ولكن لا توجد فتاة ثابتة بجانبه، وإذا اقترب أحد للتحدث معه، فغالباً ما يقابله ببرود ويبعده.

لم تعِر “يانغ منغران” الأمر اهتماماً كبيراً، والتفتت لتدخل منطقة إعداد المشروبات.

أمسكت بأطراف أصابعها مكعبات الثلج ووضعتها في الكأس الطويل، وسكبت أولاً طبقة من التكيلا الذهبية الفاتحة، ثم سكبت ببطء عصير الجريب فروت الأحمر والبرتقالي، وأخيراً استخدمت القطارة لإسقاط كمية صغيرة من شراب الكوراساو الأزرق على جدار الكأس. وبدأت السوائل المنفصلة تتداخل ببطء، وكأنها حبست أضواء الشفق الغاربة داخل الكأس، وهو المظهر الدقيق الذي ينبغي أن يكون عليه كوكتيل “الشفق”.

حملت الكأس ومشت نحو الطاولة، ووضعته برفق أمام “هـي تشي شو”، وقالت بنبرة عادية: «مشروبك.»

رفع “هـي تشي شو” عينيه، وسقطت نظراته على أطراف أصابعها المشبعة ببعض البرودة، ثم انتقلت ببطء إلى وجهها، وتضاءلت اللامبالاة في عينيه ليحل محلها اهتمام جاد غير ملحوظ، وقال بصوت منخفض ذي نبرة جذابة: «لم أركِ تعدين المشروبات من قبل، يا صاحبة العمل يانغ؟»

كان يعلم حتى أنها صاحبة العمل، فتوقفت “يانغ منغران” في سرها قليلاً، لكنها لم تظهر ذلك على ملامحها، واكتفت بالرد بجفاف: «أساعد أحياناً فقط.» وبعد قول ذلك، التفتت لتغادر دون نية في إطالة الحديث.

غير أن “هـي تشي شو” لمس حافة الكأس برفق بأصابعه، وأوقف خطواتها، وقال بنبرة أكثر لطفاً: «هذا المشروب معد بشكل أفضل من معد المشروبات السابق، وتدرج أضواء الشفق فيه مثالي، وليس حلو المذاق ولا زاهداً، هل تدربين إعداد المشروبات عادة؟»

وكان الزبائن المحيطون ينظرون نحوهم بخفية، ويتساءلون بفضول عن هذا السيد من عائلة “هـي” الذي لا يدع النساء تقتربن منه عادة، وكيف يبادر بالتحدث مع صاحبة العمل بنفسه.

لكن “يانغ منغران” لم تظهر أي تعابير خاصة على وجهها، بل مالت بجسدها قليلاً لتتجنب نظراته: «استمتع بمشروبك يا سيدي، لدي أعمال أخرى هناك.»

وبعد قول ذلك، لم تتوقف لحظة، والتفتت عائدة نحو الكواليس بخطوات حاسمة، دون أن تترك لـ “هـي تشي شو” فرصة للتحدث مجدداً.

وجلس “هـي تشي شو” في مكانه، يراقب ظهرها وهي تبتعد، ثم نظر إلى “الشفق” في الكأس، ونقر بأصابعه برفق على جدار الكأس، وتولدت في عينيه رغبة واهتمام لم يسبق له مثيل.

كانت هذه هي المرأة الأولى التي تعامله بهذه البرودة، وتجعله في الوقت نفسه عاجزاً عن إبعاد نظره عنها.

لم يواصل “هـي تشي شو” ملاحقتها بالتحدث، بل اكتفى بتمرير أصابعه بلامبالاة على جدار الكأس، وكانت نظراته تتجه دون وعي نحو منطقة إعداد المشروبات.

وعندما فرغ كوكتيل “الشفق” في الكأس، لم يطلب إعادة التعبئة، بل استقر في مقعده، يراقب “يانغ منغران” وهي تتحرك بين الطاولة والزبائن.

فتارة تساعد العمال في تدقيق الطلبات، وتارة تنحني مع الزبائن للتأكد من النكهات، وحتى حركة تشمير أكمامها كانت تحمل حسماً ونشاطاً دون أي تكلف، لتغدو أكثر جاذبية من أولئك النساء اللاتي يتقربن بافتعال في الحانة.

ومر نادل بجانبه، وسأل بتردد: «سيد هـي، هل أضيف لك كأساً آخر؟ أم تود تجربة نكهة جديدة؟»

هز رأسه، وقال بصوت أخفض من السابق: «لا داعي، سأنتظر حتى تنتهي صاحبة العمل من عملها.»

ذهل النادل القليل، ثم استوعب الأمر، وانسحب ببطء، وهو يتساءل في سره، فهذه هي المرة الأولى التي يرون فيها السيد “هـي” ينتظر شخصاً في الحانة لكل هذا الوقت.

واستمر هذا الانتظار لما يقارب الساعة الكاملة، حتىقل عدد الزبائن في الحانة تدريجياً، لتتمكن “يانغ منغران” أخيراً من أخذ قسط من الراحة، واستندت إلى طاولة إعداد المشروبات وشربت رشفة ماء.

وعندما رأى “هـي تشي شو” ذلك، قام ومشى نحوها دون أن يقترب كثيراً، محافظاً على مسافة مهذبة، وقال دون المحاولات السابقة بل بصراحة أكبر: «يا صاحبة العمل يانغ، هل انتهيتِ من عملكِ؟»

رفعت “يانغ منغران” عينيها، ولما رأته هو، لم تظهر في عينيها أي تقلبات، واكتفت بـ “نعم” جافة، ومسحت بقع الماء على الطاولة، ومن الواضح أنها لم تخطط للتحدث كثيراً.

لكن “هـي تشي شو” لم يغادر، وسقطت نظراته على أدوات إعداد المشروبات التي استخدمتها قبل قليل، واختار موضوعاً غير مفاجئ: «عندما أعددتِ “الشفق”، كانت كمية شراب الكوراساو الأزرق مثالية تماماً، ولو زادت لكانت حلوة للغاية، ولو نقصت لخبا إحساس الشفق، هل تدربتِ على ذلك خصيصاً؟»

لم يذكر الحب من النظرة الأولى، ولم يستفسر عن أمورها الخاصة، بل تحدث عما تألفه هي، خشية أن تنزعج وتلتفت مغادرة مجدداً.

توقفت حركة يد “يانغ منغران” قليلاً، دون أن ترفع رأسها، وقالت بصوت هادئ: «هذا المشروب أعددتُ تركيبه بنفسي، وإذا لم يكن لدى السيد هـي أي أمر آخر، يتوجب علي تنظيف الطاولة، فأستأذنك.»

كان الابتعاد في كلماتها واضحاً للغاية، لكن “هـي تشي شو” لم يشعر بالإحباط، بل وجدها بهذه الهيئة أكثر إثارة للاهتمام من أولئك النساء اللاتي يمكن فهمهن بنظرة واحدة.

أومأ برأسه ولم يصر: «لن أزعجكِ إذاً، وغداً… سآتي مجدداً، وأطلب كأساً آخر من “الشفق” من إعدادكِ.» وبعد قول ذلك، التفت وغادر دون أن يلتفت للوراء، وبدا أكثر هدوءاً من السابق.

ورقبت “يانغ منغران” ظهره وهو يختفي عند الباب، ثم وضعت قطعة القماش من يدها، وأخذت هاتفها لتفحص الرسائل، حيث أرسلت لها “يو جينغتانغ” تسألها إن كانت قد أنهت عملها، فردت بـ «أوشكت، نامي أنتِ أولاً»، ولم تعِر كلمات “هـي تشي شو” اهتماماً كبيراً.

فالزبائن القادمون والذاهبون في الحانة كثيرون، والذين يقولون إنهم سيعودون في المرة القادمة ليسوا قليلين، ولم تخطط لأخذ الأمر على محمل الجد.

وفي الصباح التالي، استيقظت “يو جينغتانغ” قبل الساعة الثامنة. وكانت أضواء الصباح تتسلل عبر شقوق الستائر وتلقي بقعاً ضوءية على الأرض، وكانت قائمة الانتقال التي أعدتها بالسهر الليلة الماضية معلقة بانتظام على باب الثلاجة بخط يد أنيق.

ووفقاً للقائمة، وضعت آخر بضع قطع من الملابس المطوية بعناية داخل حقيبة السفر الفضية، وقبل إغلاق السحاب تفحصت المكان بدقة للـتأكد من عدم نسيان أي قطعة.

وبعد ذلك جالت في الغرفة لدورتين، وسقطت نظراتها على مكتب الكتابة وخزانة بجانب السرير، للتأكد من عدم ترك متعلقات شخصية، ثم أخرجت هاتفها واتصلت بالسائق الذي اتفقت معه مسبقاً عبر التطبيق.

لم تكن الحقيبة كبيرة، وكان بإمكان شخص واحد حملها بسهولة. وعندما مشت “يو جينغتانغ” إلى بوابة المجمع السكني، توقفت سيارة التوصيل الزرقاء بثبات على جانب الطريق، وهز السائق نافذته وابتسم لها: «الآنسة يو، أليس كذلك؟ تفضلي بالصعود!»

«أبي، أمي، سأنتقل الآن، وسأعود لرؤيتكما عندما أجد وقتاً.» التفتت تنظر إلى والديها الواقفين عند مدخل المبنى، وقالت بنبرة خفيفة.

«حسناً! عند وصولكِ افتحي النوافذ أولاً للتهوية، وتأكدي من إغلاق الأبواب والنوافذ جيداً عند النوم ليلاً!» تقدمت “جيانغ يورونغ” خطوة، ومدت يدها لترتب ياقة ملابسها، والنظرات في عينيها تفيض بالحرص والتفكر: «تناولي طعامكِ في أوقاته، ولا تهملي نفسكِ، واتصلي بنا في أي وقت إذا حدث شيء، أتعلمين؟»

«علمت يا أمي، اطمئنا!» لوحت “يو جينغتانغ” بيده، والتفتت لتفتح باب السيارة وتجلس للداخل.

وابتعدت السيارة ببطء عن المجمع السكني، وكانت تراقب مشاهد الشارع المألوفة وهي تتراجع عبر النافذة، وفي قلبها مشاعر اشتياق للمنزل إلى جانب الترقب للحياة الجديدة.

وبعد أكثر من نصف ساعة، وصلت السيارة إلى “خليج ويشوي بالضفة الغربية”. دفعت “يو جينغتانغ” الأجرة، وأخرجت حقيبة السفر من الصندوق الخلفي، ومشت نحو المجمع السكني الهادئ.

🎉

انتهى الفصل 4

عجبك الفصل؟ اضغط القلب وخل غيرك يعرف 💗

💬 المناقشة

؟

السابق التالي
إعدادات القراءة
نوع الخطاختر الخط المريح لعينك
حجم الخطكبّر أو صغّر نص الرواية
18
تباعد الأسطرراحة أكثر لعينك
عرض النصعرض منطقة القراءة
محاذاة النصاختر ما يريح عينك