الفصل 1
إليك ترجمة أدبية وجذابة لمجريات الأحداث:
الجزء الأول: ريح أواخر الخريف وانفصال مفاجئ
«جينغتانغ، لننفصل! أشعر أن هذه العلاقة أصبحت بلا معنى.»
كانت ريح غروب يوم الجمعة مشبعة ببرودة ملحوظة، حين وقفت “يو جينغتانغ” أسفل مبنى شقة “منغ كوتينغ”، ممسكةً بين يديها بعلاج للبرد كانت قد اشترته له خصيصاً؛ فقد ذكر أمامه في الليلة الماضية عابراً أن حنجرته تؤلمه، لتقطع هي لأجله مسافة خمسة كيلومترات كاملة.
لكن وقبل أن تجري الاتصال به، ظهرت رسالته تلك على شاشة هاتفها.
تجمّدت “جينغتانغ” في مكانها، وانكمشت علبة الدواء بين قبضتها من شدة الصدمة.
مرّت أمام عينيها شريط السنة الماضية؛ كانا يُفترض أنهما حبيبان، لكنهما أشد غربة من الأصدقاء العاديين. فحتى عند اجتماعهما في غرفة واحدة، كان هو يغرق في هاتفه وهي تقرأ كتابها دون كلمة تفاعل واحدة. وتذكرت يوم ميلادها، حين اكتفى بإرسال تحويل مالي صغير دون حتى أن يكلف نفسه عناء كتابة “عيد ميلاد سعيد”. تذكرت محاولاتها الخجولة للتقرب منه في كل مرة، والتي كان يقابلها دائماً ببروده وجفاء تحفّظه.
لم يكن الأمر “بطئاً في التعبير عن المشاعر” كما توهمت، بل كانت هذه العلاقة منذ بدايتها وحتى نهايتها مجرد “ادعاء بالحب” تخوضه هي بمفردها.
ودرّت الدموع في عينيها متلألئة، لكنها لم تسمح لها بالهطول. لم تسأل عن الأسباب، ولم تحاول التشبث به؛ بل اكتفت بإرسال كلمة واحدة: «حسناً».
التفتت مغادرةً وتحت أضواء الشوارع الخافتة الصفراء، أدركت فجأة الحقيقة؛ هذه “العلاقة العقيمة” كانت تشعر بفشلها منذ زمن، لكنها لم تملك الشجاعة لتكون البادئة بالإنهائه. والآن، وبعد أن وضع لها هذا الانفصال القاطع حداً، شعرت وكأن قيداً قد فُكّ عن عنقها.
وبدلاً من إهدار حياتها في علاقة باردة بلا مشاعر، الأفضل لها أن تجمع شتاتها وتنتقل إلى أقصى الطرف الآخر من مدينة “يون”، لتركز كل طاقتها في شغفها المفضل: عالم التصميم.
الجزء الثاني: صمود ابنة العائلة النبيلة
فقد كانت “جينغتانغ” مصممة هويات تجارية شهيرة في مجالها، تتمتع بكفاءة عالية وعقلية منظمة، ومجتازة لشهادة الماجستير من إحدى أرقى الجامعات، مع طابع ثقافي راقٍ يحيط بشخصيتها.
أما والدها ووالدتها فكانا بروفيسورين محترمين في إحدى جامعات “يون”، يتسمان بالصرامة الأكاديمية واللطف في التعامل. نشأت في عائلة ميسورة الحال وذات بيئة تنشئة راقية، وكانت الابنة الوحيدة المدللة التي يُشار إليها منذ صغرها كنموذج لـ “الطفل المثالي”.
وعلى العكس تماماً كان “منغ كوتينغ”؛ فبينهما فارقٌ كالسماء والأرض. كانت عائلته بسيطة، ووالداه موظفين عاديين يعيشان حياة ضيقة. وعلى الرغم من أنهما تخرجا من مرحلة الماجستير معاً وكانا زفيلي دراسة في الجامعة، حيث جمعتهما تلك الروابط البسيطة سابقاً، إلا أنه كلما امتد بهما الوقت، كان كسله ينكشف بوضوح—فتى بلا طموح، يتعامل مع مستقبله المهني بالإهمال. بل حتى مشاعره تجاه “جينغتانغ” حل محلها التكلف واللامبالاة، واختفى دفؤه القديم كلياً.
في تلك الليلة الخريفية، كانت نسائم البحر تحمل بعض البرودة وهي تلفح وجهها، لكنها لم تكن قاسية، بل حملت معها شعوراً بالانتعاش والمواساة.
سارت “جينغتانغ” بمفردها على الممشى البحري، متخلية عن رسميتها الحازمة التي تعتادها في العمل، بينما يلفحها الشعور بالوحدة. رفعت رأسها قليلاً وتشتت خصلات شعرها مع الهواء، ثم أغلقت عينيها كأنما تترك للريح مهمة تبديد كل الضيق والتعب من قلبها، وإزاحة خيبات تلك العلاقة لتتمكن من إلقاء الحمل عن كاهلها والبدء من جديد.
تقبلت حقيقة الانفصال بهدوء، لكنها بطبيعتها إنسانة وفية وعميقة المشاعر؛ ولذا، ورغم أن تلك العلاقة كانت مليئة بالثقوب، إلا أن لحظة النهاية الفعلية جعلت مشاعر الضعف تجتاح صدرها، وشعرت بغصة في حلقها وحزن لا مفر منه.
بعد السير لنحو عشر دقائق، وجدت مقعداً حجرياً مطلّاً على البحر وجلست عليه. حركت أصابعها على شاشة الهاتف، وفتحت المحادثة المسجلة باسم “ران ران”، ثم ضغطت على زر المكالمة المرئية.
الجزء الثالث: دعم الصديقة المقربة
لم تمر سوى بضع ثوانٍ حتى أُجيبت المكالمة.
ظهر على الشاشة وجه مفعم بالحيوية والجرأة—فتاة ترتدي سترة جلدية سوداء ذات ياقة مفتوحة قليلاً، وتضع مكياجاً بارزاً وأنيقاً، مع عيون ساحرة، ويصدر منها انطباع بالانطلاق والحرية. وكانت الخلفية من حولها تعج بالأضواء والموسيقى والمرح؛ إنه مقر عملها.
تلك هي “يانغ منغران”، صديقة “جينغتانغ” المقربة منذ الصغر، وصاحبة إحدى الحانات.
«هايتانغ، ما الذي جعلكِ تتصلين في هذا الوقت؟» جاء صوت “منغران” واضحاً ولطيفاً، يحمل شيئاً من الاسترخاء المميز لأجواء المكان، «ألم تقولي إنكِ مشغولة الليلة وستذهبين لإعطاء دواء البرد لـ “منغ كوتينغ”؟»
وقبل أن تجيبها “جينغتانغ”، لاحظت “منغران” بنظرتها الثاقبة احمرار عيني صديقتها وتلك الابتسامة المجهدة على شفتيها.
«هايتانغ؟» تحولت نبرتها فوراً إلى الجدية والاهتمام، وقاربت وجهها من الشاشة: «لماذا عيناكِ محمرتان؟ هل ضايقكِ أحد؟ أخبريني ولا تكتمي في قلبكِ!»
نظرت “جينغتانغ” إلى اهتمام صديقتها في الشاشة وشعرت بالدفء يتسلل إلى قلبها. رفعت شفتيها بافتعال وتحاملت على صوتها ليظهر مبتهجاً، رغم البحة الخفيفة فيه: «ران ران… لقد انفصلنا، هو من طلب ذلك.»
توقفت قليلاً ثم أردفت ببطء متحدثة عن التفاصيل: «ذهبتُ إلى هناك بعد مسافة طويلة، واشتريت الدواء لكنني لم أسلمه له. لكنني لست حزينة، بل أشعر براحة كبيرة… وكأن حجراً ثقيلاً كان يضغط على صدري قد أزيح أخيراً.»
عبر الشاشة، استشعرت “منغران” حالة الارتياح لدى صديقتها، ليهدأ بالها هي الأخرى، وقالت بنبرة ملؤها التأييد والارتياح: «رائع جداً! يا هايتانغ، هذا هو الصواب! “منغ كوتينغ” هذا لم يكن يناسبكِ أساساً، لا من حيث المستوى العائلي ولا القدرات ولا الأخلاق، بأي شيء يمكن مقارنته بكِ؟»
وأضافت بنبرة غاضبة مشوبة بالتعاطف: «عمي وعمتي لم يقتنعا به من الأساس، وأنا أيضاً كنت أشعر دائماً أنه لا يهتم بكِ، لكن لأنكِ كنتِ تحبينه لم نجرؤ على الضغط عليكِ خشية إزعاجكِ. والانفصال الآن هو أفضل ما حدث لكِ!»
تنهدت “جينغتانغ” ببطء وقالت: «ربما لم يكن بيننا نصيب.» ثم تلاشت الخيبة من عينيها ليحل محلها بريق حاسم: «في السابق، ومن أجله، كنتُ أتردد في قبول قرار النقل من الشركة، وكنت أفكر دائماً في مراعاة هذه العلاقة حتى كدتُ أتخلي عن خططي المهنية. أما الآن، فقد حسمتُ أمري يا ران ران؛ لن أتخلى عن شغفي وطموحي من أجل أي رجل بعد اليوم! لقد قررتُ موافقة رئيس مجلس الإدارة والانتقال إلى فرع الشركة للأنشطة والتخطيط هناك!»
صفقت “منغران” بحماس وهي تهتف: «مذهل! يا هايتانغ، كنتُ أعلم أنكِ الأفضل!» ثم قطست حواجبها مجدداً وقالت بقلق: «لكن فرع شرکتكم يقع في غرب مدينة “يون”، وبيتكِ في الشرق، أي في أقصى الطرف الآخر من المدينة، كيف ستتصل حركة تنقلكِ؟ هل تناقشتِ في هذا مع عمي وعمتي؟»
ثم أردفت ضاحكة: «لحسن الحظ أن حانتي تقع في مركز المدينة، وأينما سكنتِ سيكون من السهل عليكِ الوصول إليّ. في أي وقت أردتِ التحدث أو الخروج، أنا هنا!»
ابتسمت “جينغتانغ” من قلبها وقالت بعيون لامعة: «نعم، أعلم. سأخبر والديّ فور عودتي. تمني لي التوفيق!»
ردت “منغران” وهي تشير بعلامة التشجيع: «بالتأكيد! أنا أثق بكِ تماماً!» ثم نظرت إلى خلفية الشاشة حيث البحر وسألت باهتمام: «هل ما زلتِ عند الشاطئ؟ الطقس بارد، لا تطيلي البقاء هناك. ما رأيكِ أن آتي لآخذكِ ونقضي الوقت معاً؟»
فقد كانت علاقتهما ممتدة منذ الابتدائية؛ كبرتا معاً ودرستا معاً، وكانت روابطهما كالأخوات. لم تكن “منغران” ترعى “جينغتانغ” فحسب، بل كانت تكنّ احتراماً كبيراً لوالديها، وكان الوالدان يحبان هذه الفتاة الصادقة والمهذبة ويستضيفانها دوماً.
قالت “جينغتانغ” وهي تهز رأسها برفق: «لا داعي يا ران ران، أنا أستعد للعودة إلى المنزل الآن، اهتمي بعملكِ.»
«حسناً، انتبهي للطريق وأرسلي لي رسالة فور وصولكِ.»
«اتفقنا.»
الجزء الرابع: حضن العائلة والتجاوز
بعد إغلاق المكالمة، قامت “جينغتانغ” ونفضت الغبار عن ملابسها ثم طلبت سيارة عبر التطبيق.
كان المجمع السكني الذي تقطن فيه يبعد أكثر من عشرة كيلومترات عن مكان سكن “منغ كوتينغ”. وبعد رحلة استغرقت نحو نصف ساعة، وصلت السيارة إلى المجمع السكني الراقي الذي تقيم فيه.
كان هذا المجمع معروفاً ببيئته الخضراء الهادئة وحراسته المشددة، ويقطنه أناس من طبقات ميسورة.
بمجرد فتحها لباب المنزل، غمرها الدفء العائلي. كان والدها “يو هوايشياو” وزوجته “جيانغ يورونغ” يجلسان في الصالة يقرآن الصحيفة، وعند سماع الباب رفصا رأسيهما معاً.
ورغم أن والديها بروفيسوران جامعيان، إلا أنهما لم يحملا جفاف العلماء أو قسوتهم، بل كانا في غاية الحنان واللطف، ويمنحان ابنتهما الوحيدة كل الرعاية والاهتمام.
ولأن الوالد كان دقيق الملاحظة، فقد لمح على الفور الشحوب والتعب في عيني ابنته. لم يرحب بها بالأسلوب الحفي المعتاد، بل نكز زوجته بجوع ذراعه وقال بصوت خفيض ملؤه القلق: «يبدو أن “هايتانغ” ليست بخير، اسأليها برفق دون إحراجها.»
فهمت الأم الرسالة وقامت متجهة إلى المطبخ لتخرج طبقاً من المانجو المقطعة—وهي الفاكهة المفضلة لـ “جينغتانغ”.
جلست الأم بجانب ابنتهما التي كانت مستلقية على الأريكة وشاردة الذهن، ومسدت شعرها بحنان وقالت بصوت دافئ: «هايتانغ، عدتِ؟ كيف حال “شياو منغ”، هل تحسن من البرد؟»
فقد كانت “جينغتانغ” قد أخبرت والدتها صباحاً بأنها ستذهب لإعطائه الدواء.
وقبل أن تجيب الابنة، أسرع الوالد بوضع الصحيفة جانباً وقرب منها بابتسامة خفيفة قائلاً: «يا هايتانغ! غداً نهاية الأسبوع، ما رأيكِ أن أطبخ لكِ أطباقكِ المفضلة؟ اللحم المقلي، والسلطعون الحار، ودجاج الكوكونات، وننادي “شياو منغ” لنأكل جميعاً كعائلة؟»
تجمدت تعابير “جينغتانغ” قليلاً، ثم خفضت بصرها وقالت بصوت هادئ يحمل حسماً واضحاً: «لا داعي لذلك يا أبي ويا أمي… لقد انفصلتُ عن “منغ كوتينغ”، ولم تعد بيننا أي علاقة بعد اليوم.»
وقعت الكلمات كالصاعقة على الوالدين…
ورغم أنهما لم يكونا راضيين عن “منغ كوتينغ” وقاما بتنبيهها سابقاً بعدم مناسبته لها، إلا أنهما احترما خيارها دائماً ولم يتدخلا بالقوة. والان وبعد سماع خبر الانفصال، لم يشعرا بأي فرح، بل امتلأت قلوبهما بالقلق على ابنتهما الرقيقة التي لابد أنها عانت في هذه التجربة.
أمسكت الأم بيد ابنتهما بسرعة، ولما شعرت “جينغتانغ” بدفء أصابع أمها، غرورقت عيناها بالدموع مجدداً.
سألتها الأم بحنان واهتمام: «ما الذي حدث يا هايتانغ؟ ألم تكونا بخير؟ لماذا الانفصال المفاجئ؟ هل أذاكِ في شيء؟»
استندت “جينغتانغ” على كتف أمها وهي تستشعر هذا الأمان، ليتبدد كل الضيق في صدرها. فلم تكن تخفي عن والديها شيئاً قط.
قالت وهي تغالب غصتها بنبرة هادئة: «لا يا أمي، لم يؤذني. لكنني أدركتُ اليوم فقط أننا لم نكن مناسبين منذ البداية! غير أنني كنتُ أرفض الاعتراف بذلك وأجبر نفسي على الادعاء بأن العلاقة بخير.»
ضمّت الأم ابنتهما إلى صدرها ومسدت على ظهرها وهي تقول: « يا طفلتي العفيفة، الجيد أنكِ أدركتِ الأمر الآن، لقد تحملتِ الكثير.»
أما الوالد فواقف بجانبهما متجهم الوجه وقال بنبرة لطيفة رغم صرامتها: «انفصلتما؟ لا بأس! هذا الفتى لم يكن يريحني منذ البداية، وقلتُ لكِ سابقاً إن المشاعر لا تُفرض فرضاً. أعدكِ في المرة القادمة، شرطي الوحيد أن يضعكِ من يختاركِ في قرة عينه ويهتم بكِ حقاً، وإلا فلن أزوجكِ!»
أخذت “جينغتانغ” كوب ماء العسل الدافئ الذي أحضره والدها من المطبخ، وشعرت بالدفء يسري في أطرافها. مسحت دموعها وابتسمت: «أعلم يا أبي، سأكون أكثر حرصاً في المرة القادمة.»
قالت الأم وهي تمسح دموع ابنتهما برفق: «ابكي كما تشائين وأخرجي كل ما في قلبكِ، وغداً تبدأ صفحة جديدة، ولن نضيع وقتنا مع من لا يستحق.»
أومأت “جينغتانغ” برأسها وهي تطمئن في أحضان عائلتها، متأكدة من أن والديها سيظلان سندها المتين مهما حدث.
💬 المناقشة