الفصل 1
“إذا وافقت؟… “
فأردف موزس بسخرية:
“سيد تيو، ألم تسمع؟ يبدو أنك كبرت في السن. ولكن حسنا، أجل جل.. سأتي معك…”
تجمد لوهلة، ليس بسبب سخرية ولده – فقد اعتاد عليها بالفعل – بل بسبب “سيد تيو”، لم يعتد بعد على تلك الكلمة. لم يتخيل أنه سيأتي اليوم أحدهم ويُعامل شخص بهذا الأسلوب حتى من بين أبنائه لم يفعلوا هذا، وحتى الوحيدة التي كانت تقول له تيو هي والدته، ولكن وجده ممتع.
عاد إلى وجهه الهادئ وابتسم بعدم تصديق وقال:
“لماذا غيرت رأيك فجأة؟..”
زفر موزس تنهيدة طويلة وقال بسرعة، وهو ينقر على الطاولة بأنامله الشاحبة وبسرعة غير منتظمة، كم نَفَدَ صبره:
“لماذا كل هذه الأسئلة؟ ألست من أراد ذلك؟ وظللت تحوم حولي حتى أذهب، هيا.. هناك الكبير من الزبائن، يجب أن أعود للعمل، قل ما لديك بسرعة..”
أفلت من فم تيو ضحكة صغيرة بسبب كلامه، وخصوصًا قوله “الكبير من الزبائن” بدلاً من “الكثير”.. يبدو أنه يريد التخلص مني لدرجة أن يقول أي شيء.. بدون تفكير حتي..
ولكن خطرت في باله فكرة عابرة:
‘لو رأى أحد من أتباعي سلوكه معي، لوضع المسدس في رأسه.’
قبل أن يعلق موزس على ضحك تيو المفاجئ، تكلم تيو بينما تزين صغره إبتسامة:
“حسناً صغيري، فقط قل لي متى ستأتي معي..”
قلب ثل عينيه على كلمة “صغيري”، لكنه لم يكن في مزاج للمشاجرة، كان يود إنهاء المحادثة في أقرب وقت.
تمتم بهدوء:
“غداً.”
توسعت عينا تيو للحظة، ثم أردف:
“حسناً، سأتي لأقلك غداً، تجهز.”
لم يكلف ثل نفسه عناء الرد، ووقف لثانيتين ممسكاً بالطاولة، ثم ترك تيو لوحده ودخل بالفعل إلى غرفة العمال.
‘هذا الدوار اللعين.’
•••••••••••••••••••••••••
في هذه الأثناء، ظل تيو جالساً في مكانه، يهتز جسده دون سيطرة، وابتسامته تتسع بلا توقف. قبض على يده بقوة وهو يتمتم بحماس:
“أخيراً وافق! وفوق هذا.. كلماته كثرت! لم أكن أحلم بهذا!”
•••••••••••••••••••••••••
توقفت سيارة رولز رويس فانتوم فاخرة أمام بوابة ذهبية شاهقة الارتفاع، يقف بجوارها عدد من الحراس ذوي البنية القوية والملامح الصارمة. ما إن لمحوا السيارة تقترب، حتى سارعوا بفتح البوابة بهدوء ومدروس.
وما إن تجاوزت السيارة البوابة، بدأت ملامح القصر تتكشف شيئاً فشيئاً، قصر يليق بأن يوصف بأنه خرج من رواية أو أنه موجود فقط في القصص الخيالية.
كانت الأشجار التي تحيط بالمكان تبدو مدالية، كأنها قُلمت بمسطرة حتى أصبحت متساوية تماماً. أما الطريق المؤدي إليه، فكان مرصوفاً بعناية فائقة بأحجار داكنة، تُشبه تلك التي غسلها المطر للتو.
وما إن وقفت السيارة أمام الدرج العريض المؤدي إلى الباب الرئيسي، حتى سارع أحد الخدم بفتح الباب، وأخذ آخر السيارة ليركنها.
بدأت معالم القصر من الداخل تظهر، كانت الأرضية تلمع بريق الرخام، والجدران مغطاة بلوحات وأقمشة حريرية ثقيلة، أما السقف فكان مرتفعاً وتزينه ثريا ضخمة تتدلى كالمجوم المتجمدة، كما يليق بأعرق وأشد عائلات المافيا خطورة، عائلة سيرافين – بمعنى الملاك، رغم أن الاسم يبدو ساخراً لأنها أقرب للشيطان.
دخل تيو إلى غرفة الطعام التي تتوسطها طاولة خشبية من خشب الجوز، يجمع عليها جميع أفراد العائلة، الجد رسيفاين على مقدمتها رغم أنه متقاعد بالفعل، ومن المفترض أن يكون هذا الكرسي مخصصاً للرئيس “تيودور”، لكن لم يمانع أحد الأمر، أو بالأصح لم يهتموا به. على يمينه كرسي تيو، وبجانبه زوجته روز.. إلخ.
جلس بجانب زوجته “روز”، ومن دون تحية، قال مباشرة، بدون أي مقدمات:
“جميعاً، انظروا.. بعد العشاء أود إخباركم بشيء.”
أول من رد كان هنري:
“ماذا هناك عمي؟ ألا يمكنك أن تقول الآن-“
لكن سرعان ما تلاقت عينا تيو السوداوان مع هنري الخضراء، حتى صمت تماماً.
“سأقول بعد الانتهاء.”
فأخذ الجميع يتبادلون النظرات، ثم باشروا في تناول الطعام.
وبعد مدة…
تيو أردف: “أولاً، لا أريد لأحد أن يقاطعني، وثانياً، أتقبل صدمتكم، ولكن لا نقاش في هذا الموضوع-“
سرعان ما قاطعه كونري، أخاه الصغير:
“هاي، تحدث، لا يلف حول الادغال.”
ولكن تيو أكمل دون أن يعير أخاه أي اهتمام:
“هل تتذكرون ماري؟ زوجتي الأولى؟ طبعاً جميعكم يعرف القصة. تزوجنا أنا وهي، ثم بعد سنة ماتت وهي تلد… ومن المفترض أن طفلي لم ينج، لكن علمت منذ فترة أنه ما زال على قيد الحياة. ومنذ ذلك الوقت وأنا أبحث.. ووجدت ابني..”
“موزس، تعُرفت عليه، وأصررت أن يأتي معي للمنزل، لكنه أبى أن يوافق، ولكن.. وافق اليوم، لذا سيقيم معنا بدءاً من الغد.”
كانت هذه الكلمات كالماء البارد على الجميع، ثم رحل دون أن ينظر لأحد، وخرج من القصر.
هوش~~~
مرت نسمة هواء بجانبه، أخذت تُبعثر خصلاته السوداء على جبينه، وأخذت مقلتاه السوداوان تنظران في الفراغ.
•••••••••••••••••••••••••
في تلك الأثناء، تصاعد صوت صرير الباب، ملأ المكان كونه هادئاً للغاية. يبدو مثالياً لمقولة “الإبرة”… أُغ، رفع أنامله النحيلة رأسه وهو يتمتم:
“ماذا كان المثل؟ أُغ، لا يهم.”
دخل المنزل، وسرعان ما وضع الحقيبة جانباً وذهب إلى سريره ليرتاح.
“أوه، يا له من شعور مؤلم ومريح… حتماً، منحنيات ظهري مع منحنيات السرير مناسبة هههه، السرير مستقيم وظهري مستقيم.”
صمت فجأة، ثم دوى صوت قهقهة خافتة، وهو يتحرك بدون وعي، فقد أصبح روتينه.
“يجب أن أخذ الدواء قبل أن أنام.”
امتدت، ومد يده ببطء، وأخذ يتحسس الدرج القريب من السرير، أخرج علبة بلاستيكية وتناول منها شريطاً مستطيلاً قشياً من الألمنيوم، عليه طباعة خفيفة بالأزرق مكتوب فيها:
Zolpidem 10mg.
كل قرص في حجرة منفصلة، مغلفة بطبقة بلاستيكية شفافة من فوق. مد يده بنقل وأخرج حبة بيضاوية الشكل “تشبه حبة الأرز”، لونها أبيض ناصع، تتميز بخط في المنتصف “للتقسيم”، ومنقوش عليها من جهة: AMB، ومن الجهة الأخرى الرقم 10.
بلعها دون ماء، وأغمض عينيه للحظة، يتمتم بتردد:
“يجب أن أجهز حقائبي… حسناً، غداً سأستيقظ مبكراً.”
ترك نفسه للنوم.
•••••••••••••••••••••••••
في الصباح الباكر، أخذ يعم صوت صديقته ريا المكان:
“هيا ~ هيا ~ بلا كسل~
أو سوف تسمع هراء~~~
ريان وريا أجمل الجميلات~~~
صراخهم لن ينتهي ~~~
قم خذ دواءك ~~~
وأنر العالم بنورككك ~~~”
فتح عينيه ببطء، ومد يده إلى العلبة البلاستيكية وأخرج شريطين، مكتوب على أحدهما: Midodrine 5mg، وعلى الآخر: Fludrocortisone.
تناول حبة من كل شريط، أول شيء يجب أن يفعله حتى لا ينسى.
“أُغ، مقرف..” تمتم وهو يخرج لسانه.
مد يده ببطء إلى هاتفه، وأغلق المنبه بابتسامة خافتة بينما لا يزال يسمع صوت ريا في رأسه.
كانت الساعة الثامنة، وقت دوائه الأول الذي أخذه بالفعل.
وقف بكسل ممسكاً بطرف السرير بسبب الوقوف المفاجئ، ثم توجه إلى الخزانة السوداء الأنيقة لإطلالاتها البسيطة، وأخذ ينظر داخلها قبل أن يختار بنطالاً، قميصًا أبيض، وفوقه كنزة رمادية، ثم جاكيت أسود.
لا يمكن حساب أي شيء.. يجب أن يظل دافئاً.
دخل الحمام، يجب أن تكون المياه دافئة.
تحسس حرارتها بأنامله الشاحبة، ثم جلس على كرسي داخل الدش، بينما ينهمر الماء على جسده ببطء، كأنه يقدم له جرعته اليومية.
بدأ يغسل شعره المنسدل فوق كتفه، المصبوغ باللون الأزرق الغامق كلون البحر ليلاً، وأغلق عينيه.
لم تمر أكثر من خمس دقائق حتى انتهى، لا يحب الاستغراق وقتاً في الحمام خصوصاً مع احتمال فقدانه لتوازنه فجأة.
بدأ يجفف نفسه ببطء، ثم سارع إلى ارتداء ملابسه الدافئة. جفف شعره بسرعة، مد أنامله الشاحبة وأخذ مشطاً وضعه في شعره الأزرق.
اتجه إلى مطبخه الصغير الذي يكفي حاجته، وأخذ آخر شريحتين من التوست قمح كامل، ومرر عليه زبدة الفول السوداني.
جلس على السرير يأكل وأخذ يشرب حتى شرب كوباً كبيراً.
أخرج هاتفه، يبدو أن هناك من نسي أن هناك حدثاً هاماً اليوم ويجب أن يستعد.
“أوه، من المزعج الذي يرن ببابي؟ الساعة ما زالت التاسعة.”
نهض ببطء، وأخذ يسير إلى الباب وهو يتمتم بازعاج:
“من هناك؟”
أكلك – صوت فتح الباب –
تمتم بذهول وهو يقبض حاجبيه:
“سيد تيو؟ ماذا تفعل؟”
“ها، هل غيرا رايك بالفعل؟…”
“أوه ليس هكذا؟ أسف نسيت. ادخل ادخل بينما أنهي أشيائي. وأنت أيضاً، فيليكس.”
دخلوا المنزل بينما يفحصان كل شبر به بفضول: “كيف يعيش؟”
“حسناً/انتظروا سأذهب لأعلى بسرعة..”
جلس ثل على السرير، ممسكاً بحقيبته الصغيرة ينظر إليها بضع أوراق، بدأ بوضع اشياءه البسطية في جيب الحقيبة الأمامي، أضاف سماعته بعناية، حتى عندما يحدثه شخص يظن انه مشغول و يصمت..
أخرج الحقيبة الرئيسية، وصب جميع الأدوية بعناية: الأقراص المقتسمة بعناية، والزجاجات الصغيرة، وأكياس الحبوب. كل شيء مرتب بدقة لتسهيل الوصول إليها بجانب الأدوية، أخرج عدة عصابات للعين.
ثم أخذ دمية الارنب الوردية الصغيرة، التي يبدو وكأن الزمن قد رسم عليها خطوطه: القديمة، متهالكة بعض الشيء.. وأخيراً أضاف بعض الأشياء الأخرى التي يراها ضرورية.
نهض من السرير ببطء بينما يهمس :
“أوف، قد انتهيت..”
بعد مدة…
أخرج يردف له: “انتهيت، أوه، انتظروا لحظة.”
سرعان ما بدل غرفته، وأحضر معطفاً طويلاً: لبسه فوق الجاكيت، وخرج عصابة نوم وضعها علي رقبته..
رغم انه نال كفايته من النوم..
•••••••••••••••••••••••••
في سيارة رولز رويس فانتوم الخاصة بـ”تيو”.. جلس فيليكس في كرسي السائق، وجلس بمثابته تيو.
ودخل ثل ببطء إلى الكرسي الخلفي، بينما يتوسط صدره حقيبة صغيرة، وأخرج هاتفه وسماعاته.
تمتم: “بالمناسبة، سيد تيو.. من أين عرفت موقعي؟”
“ذهبت إلى مطعم صديقك، وقال لي موقعك..”
أومأ برأسه ببطء، بينما ترتسم على وجهه ابتسامة جافة.
‘همم، كيف يعطي عنواني لأي أحد؟ يجب ان اعلمه بعض الاداب’
أخذ يعدل وضعيته، فجلس متربعًا.
“أوه،تيو إن السيارة مريحة للغاية لديك ذوق رائع!”
نظر تیو بوجه فارغ لوهلة بينما يفكر
کلامه ازداد للغاية… يبدو أن حالته بدأت تتحسن سابقًا لم تزد كلماته على خمس كلمات، وكان يكتفي برمي رأسه بدل الإجابة.
ضحك بخفة وأردف: “شكرًا لك صغيري. إذا أحببتها، يمكنني شراء سيارة مثلها، أو أي نوع آخر تريده.”
“ها؟؟؟؟ لا أستطيع تفهم الاغنياء..!”
أغغ… رفع أنامله ليدلك ما بين عينيه.
“هيا، أنت تعلم أني رئيس عائلة سيرافين، سأشتري أي شيء لابني الأكبر.”
متباهي… ولكن من المزعج أن ذلك من حقه.
“هاه، عمري 25 بالغ بالفعل، وأستطيع تدبير نفسي… وفوق ذلك، لم أعترف بك كوالدي.”
“مهما كان عمرك، ستظل صغيرًا في نظري. وأيضًا، لا تستطيع إنكار دمي..”
تجاهله موزس، وبدأ يلعب
تمتم بينما يمرر أصابعه فوق الشاشة بحذر، وكأنه سيموت إذا أخطأ بشيء.
انكمش في مقعده الخلفي، يحدق في صندوق معدني افتراضي، يحاول فتحه
ضغط على قطعة نحاسية دوّارة، حركها قليلا، فانفتح جزء مخفي، فاتسعت عيناه بارتياح بسيط.
“هممم، هكذا…” همس لنفسه، وكأنه نسي وجود تيو تماما.
لكن الصوت الذي تبعه لم يكن من اللعبة، بل من الجالس أمامه:
موزس ، تبقى ساعة تقريبا.”
لم يرد، بل أغلق هاتفه، وشغل موسيقى خافتة، ثم مدّ أنامله الشاحبة ليرتدي عصابة الرأس المنقوش عليها نمط أزهار البرقوق، وأردف بصوت خافت “أيقظني عندما نصل.”
نظر تيو باستغراب إلى ولده، ولكنه لم يهتم.
بالطبع لا أستطيع النوم بسهولة… ولكن سارياح قليلا.. ينتظرني يوم طويل..
______________
همس تيو ببطء، وأخذ صوته يعلو تدريجيا: “موزس… استيقظ، قد شارفنا على الوصول.
تثاءب، بينما أنزل عصابة عينه إلى عنقه، وأخذ يتمتم بصوت خافت: “حسنا، حسنًا… مستيقظ.”
مد يديه ببطء، وأخذ يصفّف شعره الفوضوي بيده.
وسرعان ما عبرت السيارة بوابة القصر الذهبية ولكنه لم يكلف نفسه عناء النظر، وأخذ يُعدل وشاحه الأزرق.
مرت دقيقتان حتى توقفت السيارة أمام الدرج المؤدي إلى الباب الرئيسي.
_____________
ملاحظة:
إسم موزس هو النطق العربي لكلمة Moses و التي تعني موسى…. موزس في الرواية مسيحي و إسم موسى موجود في الإنجيل…..
💬 المناقشة